انشقاق اهل العراق

 

شيرزاد شيخاني

 

يروي ابن الأثير في تاريخه عن أحداث العراق تفاصيل إشتكاء العراقيين على واليهم سعد بن أبي وقاص للخليفة عثمان بن عفان(رض)وإتهامهم سعدا بأنه لا يحسن الصلاة ولا يعدل في القضية وأن الصيد يلهيه وأنه لا يقسم بالسوية!!. وطلبوا من الخليفة أن يعزله ويولي غيره.واستجاب الخليفة لطلب العراقيين وولى عليهم الوليد بن عقبة.وكان سعد أحد العشرة المبشرين بالجنة ومن أهل الشورى واجتمع له من الفضل والسنن والسبق إلى الإسلام ما لم يتفق شيء منه للوليد بن عقبة الذي كان شرابا للخمور، وهو الذي نزلت فيه الآية الكريمة( ان جاءكم فاسق بنبأ) بإجماع مفسري القرآن. ويستطرد إبن الأثير في روايته" أن سعدا كان مستجاب الدعاء، وأنه عندما تلاسن مع عبدالله إبن مسعود وزير المالية حول خلافات مالية، اراد سعد أن يرفع يديه الى السماء ليدعوا على إبن مسعود فارتعب وقال له" ويلك يا سعد قل خيرا ولا تلعن. فقال سعد" والله لولا إتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك". ولكن عندما بلغ سعد خبر عزله عن ولاية العراق وإتهامات العراقيين الباطلة له، رفع يديه الى السماء ودعا على العراقيين أن لا يريحهم الله من حاكم يتولى أمرهم الى أبد الآبدين.
وفعلا منذ ذلك الوقت والعراقيون لم يهدأ لهم بال مع حكامهم بعد أن إستجاب الله لدعاء سعد الذي أصبح لعنة نزلت عليهم من السماء.
فهم عزلوا عنهم سعدا المبشر بالجنة وولوا عليهم سكيرا عربيدا فاسقا يأتي بالأنباء غير الصحيحة مثل وكالات الأنباء العراقية السابقة واللاحقة!!.
وهم خذلوا عليا أمير المؤمنين وزوج إبنة رسولهم وتقاعسوا عن نصرته حتى قتل، فولوا عليهم معاوية الذي خلف عليهم سكيرا عربيدا آخر هو إبنه يزيد!!.
 ثم خذلوا حسينا حفيد الرسول وسيد شباب الجنة، ونصروا يزيدا السكير وقاطع الرؤوس!!.
.أسقطوا الأمويين فجاؤا بالعباسيين الذين طاردوا أتباع أهل بيت نبيهم!!..
 ناصروا العثمانيين، ثم ملوهم فسلموا بلدهم الى الاحتلال البريطاني!!..
ملوا المحتلين البريطانيين فثاروا عليهم وجاؤا بالملك العربي فيصل إبن الحسين ومعه مجموعة من الساسة منهم السيء الذكر نوري السعيد وأعوانه من رموز وأقطاب الحكم الملكي الفاسدين والمرتشين!!.
أسقطوا الحكم الملكي الهاشمي وسحلوا أحفاد الرسول في شوارع بغداد، وجاؤا بالحكم الجمهوري الثوري الشيوعي!!.
 أسقطوا الشيوعيين بعد أن أمعنوا فيهم قتلا وسحلا، وجاؤا بالبعثيين الذين أذاقوهم مر العذاب والهوان!!.
أسقطوا حكم عبدالرحمن عارف الذي كانت فترة حكمه من أهدأ فترات الحكم في العراق المعاصر، فجاؤا ثانية بحكم البعثيين يمعن فيهم قتلا وتشريدا!!.
ناصروا صدام حسين ضد ولي نعمته أحمد حسن البكر فخرب هذا بلدهم ودمره تدميرا كاملا وشاملا!!.
جاؤا بأياد علاوي الرجل العلماني البراغماتي المنفتح عقليا وسياسيا، ثم سرعان ما ملوه وجاؤا بالجعفري الاسلامي المتزمت!!.
 وملوا الجعفري فاتوا بالمالكي  وهكذا دواليك، إستقبال حافل ثم تذمر شامل،التفاف جماهيري ثم انصراف جماعي.. يس يم يس يم.. عادة سر..
هذه هي حياة العراقيين دائما، لا يقر لهم قرار مع حاكم منذ أن استجاب الله لدعاء سعد بن أبي وقاص قبل أربعة عشر قرنا بالتمام والكمال.
وزيادة على ما إبتلاهم الله بعدم الرضا الدائم عن الحكام،فقد بلاهم أيضا بعدم الوفاق والإنسجام حتى مع بعضهم بعضا. فالشيعي كان يكره السني، والسني يكره الكردي، والكردي يكره التركماني،الكل كارهين لبعضهم البعض، يتصارعون فيما بينهم تارة بالسلاح اذا أمكن، وتارة بالسب والشتم في المجالس الخاصة أو حتى على شاشات التلفزيون.
ثقافة الكراهية هذه كادت أن تنمحي من أوساط العراقيين مع تخلصهم من أحد أبشع الحكومات الدكتاتورية التي تعاقبت عليهم طوال التاريخ، ولكنها عادت وبأبشع صورها مع الحكام الجدد الحاليين الذين يغذون تلك الثقافة بصراعاتهم وخلافاتهم على كل شيء وعلى لا شيء أيضا.
تخطيء أمريكا عندما تتصور أنها بارسال بعض وفودها ومسؤوليها الى العراق ستتمكن من إقناع السياسيين العراقيين بالكف عن كره بعضهم البعض وحثهم على التفاهم والتعايش السلمي وحل أزمات العراق بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.فأنا أعتقد أن مشكلة العراق لا تحل بهذا الاسلوب العقيم وغير المجدي،وأرى أن الطريقة الأسلم لحل مشكلات العراق هي عقد دورة تدريبية لقادة الكتل السياسية العراقية في الولايات المتحدة أو في أوروبا لتدريبهم على كيفية التعايش والتفاهم فيما بينهم،والبدء معهم من الصفر من خلال إلقاء محاضرات مكثفة على غرار تعليم تلامذة الصفوف الإبتدائية مباديء القراءة والكتابة ( دار داران) وتوضيح الفرق بين (الدار والداران) للساسة العراقيين الجدد الذين أثبتوا خلال السنوات الماضية أنهم بحاجة ماسة وقبل كل شيء الى تعلم دروس السياسة من الصفر، فهم يحتاجون فعلا الى استيعاب حقيقة أن دكتاتورية صدام حسين قد إنتهت وأن عراقا جديدا قد بدأ أيضا من الصفر..
 صفر زائد صفر يساوي صفر أضفهم الى تسعة أصفار داخل البرلمان العراقي، يساوي أصفار في أصفار.. يا لها من نتيجة سيئة!!..

 

 

 

لنشر تعليقاتكم يرجى  ارسالها الى:

mc@aldaboor.com