|
لزوم مايلزم سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز أكان مُفترضاً أن تصدر محكمة العدل الدولية قرارها الأخير ضد رئيس دولة عربية بتهمة الإبادة الشاملة حتى تنهض الأمة العربية ممثلة بجامعتها لمناقشة مستقبل هذا الرئيس وتبعات مثل هذا القرار الأممي على البلد المعني.. وعلى القياس اللاحق -المفترض- إن طُبق القرار فعلاً؟
منذ سنوات والجميع يعرف أن خاصرتي هذا البلد العربي تنزفان دماً ومالاً، وأن البلد ذاته مُهدد ليس من جراء الحرب الأهلية فحسب، وإنما من سوء إدارة الأزمة من قِبل المعنيين بالأمر؛ كانت هناك نزاعات قبلية عربية في المنطقة المعنية، وكان الجانب الرسمي يشاهد الغارات الدموية فلا يحرك ساكناً، وإن حرك هذا الساكن ساءت الأمور أكثر!
كان ذلك قبل سنوات وعندما تنبه العالم لهذه المأساة بفعل الشعور الإنساني -كما يقول هذا العالَم القوي- وبفعل ثروات النفط كما نقول نحن الضعفاء، عندها سُلِّطت الأضواء!
كان لزاماً ونحن نتعثر في إدارة أزمات بلداننا، أن نسارع فوراً إلى معالجة المشكلة من جذورها، وأن نوقف تسلط عِرق على عِرق لأن الجميع مواطنون.. أو يفترض هذا، وإن كان من بيننا من يتلاعب بمصائر شعوبنا فيجب وقف شروره، لأن العاقبة ستكون على الدولة ومنظوماتها بكاملها.
اجتمع مجلس الجامعة العربية بدعوة من الدولة المتهم رئيسها بتهم كبيرة جداً، وأقرَّ المجلس -وإن لم يُصدر شيئاً علنياً بذلك- بأن هناك مشكلة إنسانية، وأن هناك مسؤولين يجب محاكمتهم والدليل هو ما حمله أمين عام الجامعة العربية من أفكار حول تكوين محاكم لجرائم الحرب في داخل هذه الدولة وبمساعدة مراقبين أفارقة وعالميين.
لِمَ هذا التحرك الآن والعالم سبق وأصدر القرارات الأممية الواحد تلو الآخر، ومنذ مدة طويلة والمبعوثون الدوليون يروحون ويجيئون ويحذرون ويلفتون الانتباه، لكن لا شيء حدث في سابق الأيام لا من قِبل جامعة الدول العربية ولا من قِبل من سيقع عليهم عقاب العالم ممثلاً بهذه المحكمة أو هذا المجلس أو تلك الهيئة.
لو حدث هذا أكان من المفترض أن تصل إلى هذه المرحلة التي يصفها العرب دائماً بأنها حساسة ومفصلية؟
كنت أستمع قبل أيام للرئيس المهدد بالخطر -والذي لا نتمنى أن يقع له ولا لدولته- فإذا هو يطالب بأن يجتمع الفرقاء على كلمة سواء، ويعد بتطوير المنطقة المنكوبة، ويعد بإطلاق سراح سجناء الفريق الآخر، ويطالب بمشروع نهضوي في كل المجالات ليرفع من قدرة إنسان الإقليم الجائع الخائف المتشرد!
أين هذا الكلام الجميل منذ وقت طويل؟ لماذا الآن؟ أيمكن أن يعطي الآخر المتوثب الوقت لهذه الوعود حتى تتحقق... وعلى يد من قصدته القرارات العدلية بالذات؟
في ظني -وللأسف- أن الوقت قد فات؛ السيناريو المحتمل هو أن ينفصل الجنوب عن الشمال.. وتُوضع المظلة الدولية على الإقليم الملتهب الثاني، أما مصير الرئيس وحكومته فستكون هناك مُساومات مكلفة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. وهو قليل، وإن نجت القيادة فسيكون الثمن مُرتفعاً جداً سيادياً واقتصادياً، والحالات المشابهة في مشرق العرب ومغربهم دليل على هذا.
ولعل من باب سقط الحديث والجهل أن يقال أو يُكتب من حين لآخر مقالات أو أحاديث تندد باختلاف المعايير الأخلاقية، فهذا الرئيس العربي -حسب وجهة النظر تلك- ليس أكثر دموية من هذا الزعيم الغربي أو الإسرائيلي مثلاً! وفي هذا خلل في الفهم وطرافة سوداء: المحاكم الدولية وشرائع الأمم الحاضرة وُضعت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي أفرزت المنتصر والمنهزم، وأبانت تعدد الأقطاب وحقبة أحادية الأقطاب التي تلتها، بل إن هذه القوى رسمت حدود الدول ومناطق النفوذ والسيطرة على المصادر الطبيعية المختلفة، ونزيد فنقول إنها أنشأت دولاً وشردت شعوباً عبر وعود سيئة السمعة والتاريخ.
ليس هناك جديد في استنكار شرائع هذه الأمم القوية التي يزيد من رضوخنا لها ضعفنا المتمثل في زراعة حبة القمح وحتى في استخدامات "النانو". أما الأكثر إيلاماً في النفس فهو عندما نقول إن شرور هذه القيادة لا تختلف أو تقل قليلاً عن شرور تلك الرؤوس الشقراء الحاكمة في أقصى الأرض أو أدناها.
يجب نسف هذا المنطق وبدلاً منه لابد أن نؤكد بأن الشرور التي تزلزل كيانات الدول وتخلق الأعذار لمحاصرة الشعوب يجب عزلها بهذه الطريقة أو بتلك، ويا ليتنا نسرع بهذا ومن خلالنا كعرب ومسلمين، بغض النظر عن المماثلة الشريرة والمقاربة الأسوأ.
يقول أبو العلاء في لزومياته:
وقد علمت المنايا غير تاركة ليثاً بخفان أو ظبياً بفرتاجا
الأكيد أن أكثر مندوبي دول الجامعة العربية هم من المثقفين وقد قرؤوا -افتراضاً- بعضاً من شعر (المعري) ومن ذلك البيت السابق، الذي يُعلم أن الموت وصُناعه لن يتركوا لا هذا المستأنس ولا من يعتقد أنه الوحش، ولعلهم يبدلون في قادم الأيام وهم يجتمعون لمناقشة قرارات أممية أخرى قادمة عنوان بعض دواوين الأعمى المبصر، من (لزوم ما لا يلزم) إلى لزوم ما يلزم.. استباقاً لعواصف القرارات وغرائب ما يحدث في داخل منطقتنا العربية.
عمل الإنقاذ اليوم هو لزوم... ما يلزم. |
|
|
|
لنشر تعليقاتكم يرجى ارسالها الى: |